«داعش» واستراتيجية الإعلام في خدمة العمل العسكري
PM:02:38:04/12/2017


صراع تنظيم «داعش» ليس عسكرياً فقط كما يفهم بعضهم وإنما هو صراع إعلامي في المقام الأول، فالتنظيم الذي نجح في إقامة دولته المزعومة في حزيران (يونيو) 2014 والتي بدأت تتهاوى بسقوط مدينة الموصل وتحرير أكثر من 50 في المئة من مدينة الرقة السورية، ما كان قادراً على ذلك إلا من خلال الآلة الإعلامية التي كان يستخدمها تارة في التجنيد عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع وتارة في التخطيط للعمليات الإرهابية في مشارق الأرض ومغاربها. كما أن التنظيم نجح في تقديم محتوى جذاب لمواده المنشورة راعى فيها الإبهار فنجح في استقطاب عشرات الآلاف من الشباب الذين يبحثون عن تجربة جديدة تجمع بين الإثارة والبحث عن واقع أفضل في الدنيا وربما صورة مختلفة في الآخرة تغذيها مقولات التنظيميين في «داعش» عن اليوم الآخر.

تنظيم «داعش» يستخدم معركته الإعلامية في التسويق لانتصاراته العسكرية التي حققها على مدار أكثر من ثلاث سنوات قبل أن يتعرض لعدد من الإخفاقات انتهت بخسارته أكثر من 50 في المئة من الأراضي التي سيطر عليها في غيبة من المجتمع الدولي، مستغلاً التناقضات الحادثة بين دول في المحيط الإقليمي. فنجد أنه قام بتدشين مجلة «دابق» منذ اللحظة الأولى لإعلان دولته باللغة الإنكليزية، ونجح في تسويقها عبر عدد من اللغات مراعياً الفئات المستهدفة. كما راعى المادة التي تحتويها هذه المجلة على الإنترنت، فبعيداً مِن المحتوى المحرِض على العنف، نجح القائمون على الإصدار في تصدير عناوين براقة ومعبرة تمكن مقارنتها بعناوين كبرى المجلات العالمية مثل «واشنطن بوست» و «التايمز». ولعل إخراج المادة وتصميمها ووضع عناوين من أبرز ما يمكن أن نتحدث عنه في إطار هذه المقارنة. وهناك ترجيح بأن القائمين على كتابة المادة وتصميمها هم أعضاء التنظيم من الأميركيين والبريطانيين والألمان والفرنسيين الذين درسوا في معاهد إعلامية في بلدانهم. ويأتي في مقدم أسباب النجاح الموقت للتنظيم والذي مكَّنه من إقامة إمارته إدراكه أهمية الصورة المتحركة، فامتلك التأثير والفعل، وفوجئنا بوسائل بديعة ومختلفة يتواصل من خلالها المتطرفون ما كانت أجهزة الأمن العالمية تعلم عنها شيئاً، مثل برامج المحادثة في «بلاي استيشن»، على الإنترنت، كما حدث بين مخططي تفجيرات باريس ومنفذيها في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015. وهكذا سبق خيال التنظيمات المتطرفة خيال أجهزة الأمن مجتمعة وبخاصة في ما يتعلق باستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة.

يتعامل تنظيم «داعش» باستراتيجية محورها تنفيذ العمل العسكري وحصد تأثيره عبر حالة الفوضى التي يتوقعها، عبر تصويره، ثم بث الصور في وقت يختاره هو لتحقيق نجاحين وليس نجاحاً واحداً. فهو يعتقد أن الإعلام هنا يأتي بنتيجة لا تقل في أثرها عما أحدثته العملية العسكرية. وغالباً ما كان يتم إنتاج المواد المصورة للتنظيم مركزياً ثم نشرها في ولاياته التي وصل عددها إلى 34 ولاية، في قارات عدة، كما جاء في آخر تسجيل مرئي يرصد طبيعة عمل وزاراته ودواوينه وصلاحيات القيادة المركزية. كما أنه نجح عبر دورات تدريبية لقياداته، في استنساخ الخبرات الإعلامية في غالبية ولاياته حتى يضمن أداءً إعلامياً لا يقل في تميزه عن أدائه العسكري.

ولعل مشاهد الذبح التي سيطرت على الكثير من التسجيلات المرئية كان بطلها أطفال صغار تمت تربيتهم في معسكرات «أشبال الخلافة» تجيب على السؤال، لماذا الأطفال؟، فرسالة التنظيم هنا انحصرت في حالة الرعب والقلق التي يريد أن يُصدرها لخصومة بهدف نشر الفوضى، حتى يكون لسان حاله من يرى ويسمع ويشاهد من خصومه مثل هذه التسجيلات «إذا كان الأطفال في داعش يفعلون ذلك فما بال مقاتليهم»، ولعلهم نجحوا في رسالتهم في ظل جهل وأمية الطرف الأخر لرسائل التنظيم من خلال إعلامه.

نجح التنظيم في استخدام برامج غالبيتها بل كلها مشفرة يصعب الوصول إليها أو رصد المحادثات فيها وأهم هذه البرامج على شبكة المعلومات الدولية موقع تستخدمه البحرية الأميركية في المحادثات البينية، فهو برنامج مشفر وضع لهذا السبب ولهذا السبب تفوق التنظيم إعلامياً وأصبحنا مجرد رد فعل لفهم سلوكياته، تارة ننجح في ذلك وتارة نفشل في مجرد قراءة التنظيم وسلوكه المستقبلي.

إذا أردنا هزيمة «داعش» فعلينا أن نسبقه ليس في فهم السلوك وتفسيره، وإن كان ذلك مهماً، وإنما في امتلاك الصورة وبالتالي التأثير، فالمستقبل للإعلام فهو من يحرك الجيوش وينهي المعارك، الإعلام حرفة يتصدرها المحترفون والمتخصصون حتى تكون أكثر تأثيرًا، فأي انتصار عسكري على «داعش» لا قيمة له إن لم يلحقه انتصار إعلامي في المستوى ذاته ويسير بالتوازي، فمن خلالهما تكون المعركة لمصلحتنا ومن دونهما لا يمكن الحديث عن هزيمة منكرة للتنظيم الأكثر تطرفاً والعابر للقارات.

الحياة