قاتل ومقتول
كوليت بهنا

في الوقت الذي لا تكف الأمم المتحدة وجميع منظماتها ومنظمات المجتمع المدني، وبالتعاون مع عدد من المؤسسات الحكومية عبر العالم، من توجيه النداءات المستمرة للتحذير من كارثة الانفجار السكاني التي تشهدها الأرض، أو ما يعرف بالانفجار الديمغرافي، أي ازدياد عدد السكان في عدد من دول العالم مقارنة بالموارد المتاحة لديها، تجهد بعض الدول بشكل معاكس على تشجيع الإنجاب، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وفنلندا وايطاليا وروسيا وألمانيا، التي تعاني من انخفاض معدلات الخصوبة لأسباب عدة، أبرزها تبدل النظرة الاجتماعية لمفهوم الأسرة وغلاء المعيشة وارتفاع نسبة عمل المرأة وتأخيرها للإنجاب أو التخلي عنه، بالتالي تقدم حكومات هذه الدول على تقديم حلول تشجيعية مثل مكافآت نقدية لكل مولود وتخفيضات ضريبية للأسرة وإعانات شهرية نقدية وعينية وإجازات مرنة للأبوين، وغيرها من الحوافز.


دول أخرى تضع سياسة تشجيع الإنجاب ودعمه ضمن أولوياتها الاستراتيجية مثل تركيا انطلاقاً من رؤية اقتصادية، حيث حفز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شعبه قبل سنوات على إنجاب ثلاثة أطفال، ومؤخراً رفع العدد إلى خمسة أطفال، بعد ارتفاع متوسط الأعمار عن 30 عاماً في تركيا، أو انطلاقاً من تحديات ديمغرافية وأمنية كما الحال في إسرائيل، التي تشجع حكوماتها المتعاقبة شعبها على الانجاب، خشية تحول العرب إلى أغلبية.


إيران التي يواجه شعبها اليوم أقسى أزمة اقتصادية ومعيشية، تعاني بدورها من ارتفاع معدل الشيخوخة، وسبق لرموز النظام مثل المرشد علي خامنئي والرئيس الأسبق أحمدي نجاد أن حذرا من برامج تنظيم الأسرة المشبوهة، واعتبار أن "أطروحات تحديد النسل ليست من أفكار المسلمين وإنما من معتنقي الأفكار المادية الذين لا يؤمنون أن الله هو الرزاق". وإن كان هذا الدافع الديني مفهوماً من قبل نظام إسلامي متشدد مثل النظام الايراني، إلا أن المثير في هذه الرؤية هو تطورها وعلانيتها الفجة، عبر التصريح الأخير الذي أدلى به علي فدوي، القائد في الحرس الثوري الايراني، حيث طالب المنتسبات في قوات الباسيج (الذراع شبه العسكري التابع للحرس الثوري) إنجاب خمسة أطفال لكل منهن لمواجهة المؤامرة الدولية التي تستهدف النظام الايراني، وبالتالي انخفاض أعداد "الجنود الشيعة"، مضيفاً أن إيران تحتاج إلى "صانعي جهاد، حراس ومدافعين لحماية وجودها، هويتها، مقدراتها".


في ظل الحروب أو الاضطرابات المستمرة وعدم الاستقرار الذي تعاني منه العديد من الدول وخاصة دول الشرق الأوسط ، وما يسفر عنها يومياً من عمليات لجوء وهجرات جماعية وكوارث بشرية وتغيرات ديمغرافية، وبالنظر إلى الهواجس المستمرة بين أصحاب العقائد المتشددة والمظلوميات الدينية والطائفية وغياب دول المواطنة والعدالة الاجتماعية، يمكن القول وبصراحة، إن غالبية المشجعين على الإنجاب-مع استثناءات قليلة للغاية- وإن استخدموا مواربة أو دبلوماسياً بعض الذرائع الاقتصادية أو الاستراتيجية لتبرير الأمر، إلا أنه يمكن استشفاف دوافعهم الحقيقة في واقع الأمر، وانطلاقها من هواجس دينية أو طائفية في عمقها، وليس سراً ما تهمس به هذه الجماعات بين أفرادها، حيث يطلب من الشيعة أن يتكاثروا من أجل الغلبة على السنّة، والعكس صحيح. كما تشجع الكثير من الجماعات الدينية المسيحية المتشددة وأحزاب اليمين المتطرف جماعاتها على التكاثر خشية من ازدياد أعداد المسلمين في العالم. فيما تستغل جماعات الإسلام المتشدد حضورها في عدد من الدول الغربية لتشجيع أفرادها على التكاثر بلا حدود، من أجل غلبة الاسلام على "الكفار" في العالم، وهو ما يمكن تلمسه بشكل خاص وواضح في دول القارة الأوربية "العجوز". كما لا تتوانى بعض الدول من استعمال العنف أو تسريب بعض المنتجات عالية السمّية أو التي تحتوي مواد مسرطنة للقضاء في المدى البعيد على نسل الآخرين، أو اللجوء إلى الابادة الجماعية أو التهجير القسري أو التضييق عليهم أو زجهم في معسكرات لمواجهة مخاطر تكاثر أحد المكونات الدينية، كما تفعل الصين اليوم مع مسلميها وأكبر قومياتهم "الإيغور".


وفيما انتفضت بعض شعوب الأرض في السنوات الأخيرة وخرجت في احتجاجات وثورات عابرة للأديان والطوائف ومطالبة بدول مواطنة وعيش كريم، يستمر بعض ساسة العالم والجماعات المتشددة في تصلفهم عبر سياسة تشجيع الإنجاب وفقاً لدوافع دينية بحت، غير مكترثين بالنتائج الكارثية التي تفرزها يومياً هذه الصدامات الدينية المتبادلة، وازدياد عدد الفقراء في شعوبهم، ويبقى الأكثر استبدادية وخطورة ولا إنسانية، هو المطالبة بمولود جديد، ليس ليحيا حياة كريمة ويرفد الاقتصاد ويبني مستقبله ومستقبل بلاده، إنما برمجة مصيره ليصير قاتلاً ومقتولاً(صانع جهاد)، كما يفكر قادة "الباسيج".




alhurra
AM:02:30:28/12/2019