الإعلام في العراق... تركة السوداني الثقيلة على كاهل حكومة الزيدي



لم تكن فترة حكومة محمد شياع السوداني التي امتدت من أكتوبر/ تشرين الأول 2022 حتى مايو/ أيار الحالي، جيدة بالنسبة إلى الصحافيين وواقع العمل في الإعلام في العراق بل شهدت رفع مئات الدعاوى القضائية على الصحافيين والإعلاميين والمدونين، فضلاً عن الملاحقات التي مارستها السلطات، وحجبت بقرارات هيئة الإعلام العديد من البرنامج والشخصيات الإعلامية عن الظهور.

يواجه رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، الذي نالت حكومته غير المكتملة الثقة البرلمانية يوم الخميس الماضي، تركة ثقيلة من الانتهاكات ضد حرية التعبير. ومع انطلاق مهام حكومته التي تضع حداً لقرابة أربع سنوات تولّى فيها السوداني رئاسة الحكومة التي توصف بأنها "الأقسى"، وفق تعبير مركز النخيل للحقوق والحريات الصحافية، ذكر المرصد في بيان، أن "حكومة السوداني ودعت الحكم وفي سجلها نحو ألف انتهاك مختلف بحق الصحافيين وحرية الصحافة في العراق، وذلك في الفترة الممتدة بين أواخر عام 2022 وحتى منتصف أيار 2026".

أشار البيان الذي صدر عن المركز يوم الخميس الماضي، إلى أن "هذه الفترة شهدت تراجعاً حاداً في مؤشر حرية الصحافة، إذ سجل العراق أسوأ نقاطه منذ عام 2003، متأرجحاً بين 25 و30 نقطة خلال السنوات الأربع الأخيرة، بعد أن كان يراوح بين 45 و75 نقطة قبل عام 2022"، معرباً عن "تطلعه إلى أن تعوض الدورة الحكومية القادمة الإخفاقات والجراح التي أثقلت جسد الصحافة العراقية". كذلك وجه دعوة مباشرة إلى رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي بـ"ضرورة الإقدام على خطوة إسقاط الدعاوى كافة التي تلاحق الصحافيين من قبل المؤسسات الحكومية".

وسبق أن وثقت منظمة مراسلون بلا حدود انخفاض تصنيف العراق في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 إلى المرتبة الـ162 من أصل 180 دولة، بعدما كان في المرتبة الـ155 خلال عام 2025. رأت المنظمة أن الصحافيين في العراق عالقون "بين مطرقة عدم الاستقرار السياسي وسندان الضغوط المالية"، إضافةً إلى تحوّل المعلومات المستقلة والمتوازنة إلى "شبه معدومة" نتيجة الاستقطاب الحاد والتأثير السياسي المباشر بوسائل الإعلام، فيما يتعرض الصحافيون لتهديد متواصل منذ احتجاجات عام 2019، إلى جانب اعتداءات وأعمال نهب استهدفت مؤسسات إعلامية بسبب تغطيتها للتظاهرات المناهضة للفساد.

في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، نشرت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق 182 انتهاكاً ضد الصحافيين خلال عام 2025، توزّعت بين الاعتقال والاحتجاز والمنع والدعاوى القضائية، والتقييد عبر لوائح هيئة الإعلام والاتصالات الحكومية، إضافةً إلى الاعتداء بالضرب، والمنع من التغطيات الصحافية بقرارات فردية، موضحة في التقرير أن "حالات التضييق تتصاعد، ومحاولات خفض سقوف الحريات الصحافية المتدهورة أصلاً في العراق تجري بشكلٍ مقلقٍ جداً، إذ شهد عام 2025 تغيّراً في استراتيجيات التضييق بحق الصحافيين والصحافيات ووسائل الإعلام كافة، استناداً إلى إرثٍ استبداديٍّ معلّق بالقوانين الديكتاتورية، والأمزجة السلطوية، ذات القوانين والقرارات المنافية للدستور".


بحسب التقرير، فإن "الحكومة كرّست جهداً مضاعفاً لمراقبة وسائل الإعلام والصحافيين، ووظّفت جميع مؤسسات الدولة أداةً للضغط والابتزاز، كذلك برزت هيئة الإعلام والاتصالات بوصفها إحدى أبرز الجهات التي استخدمت صلاحيات غير منصوص عليها في قانونها، لمنع وسائل إعلام وبرامج تلفزيونية ومواقع خبرية وحجبها وحظرها، وسط صمتٍ رهيب"، مشيراً إلى أن "الأجهزة الأمنية تواصل أساليبها البوليسية في التضييق على الصحافيين، ومصادرة معداتهم، واحتجازهم، وتعذيبهم، وتعنيفهم، من دون رادع".


وخلال اليومين الماضيين، كتب عشرات الصحافيين والمدونين العراقيين منشورات وتغريدات تودع السوداني الذي لم ينجح في نيل الولاية الثانية بمنصبه، وكانت المنشورات نوعاً من التشفّي، لكنهم أكدوا أنهم تعرضوا لضغوط كبيرة خلال فترة السوداني، بينما لا يُعرف حقاً أن كان السوداني هو الذي كان يبادر بمضايقة الصحافيين ووسائل الإعلام العراقية التي لا تنسجم مع رؤية حكومته، أو أنها مبادرات وتوجهات شخصية لدى موظفين ومسؤولين في مكتبه الإعلامي وفريقه الخاص.

في السياق، يشير الصحافي العراقي زيد جبار، إلى أن "الحكومة السابقة واجهت الصحافيين والإعلاميين بالتخويف ورفع الدعاوى القضائية بحقهم، بعد أن حظي الإعلام في العراق قبلها بمساحة لا بأس بها من الحرية في العمل الصحافي، وأن حكومة السوداني كانت تنظر إلى أي حالة من حالات النقد والمساءلة ضمن حدود الصحافة على أنها تهديد للأمن وزعزعة للاستقرار، فضلاً عن إهانة مؤسسات الدولة والرموز الوطنية".

يتابع حديثه مع "العربي الجديد": "الحكومة السابقة أخفقت في حماية الصحافيين والباحثين الأجانب، إذا طردت جماعات مسلحة عدداً منهم، كذلك اختفت باحثة وصحافية خلال الفترة الماضية، فيما لم تتمكن من محاسبة أي جهة متورطة، فضلاً عن إيقاف برامج سياسية لأكثر من مرة، لأسباب تتعلق بانتقادات للأداء الحكومي".


أما أستاذ الإعلام السياسي في جامعة بغداد، علاء مصطفى، فقد وصف سنوات حكومة السوداني بـ"الأشد والأقسى" على حرية الكلمة بعد عام 2003، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن "العراق لم يسجل كمّ الدعاوى والانتهاكات والمضايقات على الصحافيين والإعلاميين وكتّاب المحتوى الإعلامي وصنّاعه كما شهدناه في حكومة السوداني السابقة، فضلاً عن الضغوط على الصحافيين، وهو لا يعكس مزاج رئيس الحكومة السابقة، بل تنسجم هذه الطريقة مع التعامل مع أعضاء فريق السوداني الذين كانوا يؤمنون بمنع أي مساحة للصوت الناقد، لأنهم يرونه صوتاً ينطلق من تعبئة سياسية معارضة".

يقول مصطفى إن "أغلب الناقدين والباحثين الذين كانوا يشخصون الأخطاء في حكومة السوداني، تعرضوا لدعاوى قضائية، لكن القضاء وقف إلى جانب حرية الكلمة، ما جعل الحرب على الإعلام والصحافة تتراجع قليلاً، لكن الحكومة آنذاك توجهت إلى تشكيل اللجان التحقيقية ضد أصحاب الأصوات الوطنية والحرة، وتحديداً أولئك الذين يعملون في القطاع العام"، موضحاً أن "رئيس الوزراء الجديد ينحدر من بيئة اقتصادية وتجارية، بالتالي فهو يؤمن بالتنافس وأن الإعلام جزء من عمله، وعليه أن يختار صحافيين وإعلاميين جيدين لمكتبه، كي لا نقع في المشاكل نفسها".


العربي الجديد



PM:02:42:19/05/2026




68 عدد قراءة