كيف ننتج قصة في صحافة الحلول؟




يمرّ إنجاز القصة في صحافة الحلول بمراحل متعددة، تختلف حسب طبيعة الاستجابة التي نعمل عليها، ولكن بعض الخطوات تعدّ أساسية، خصوصًا إذا كنا نريد أن ننتج قصتنا الأولى في صحافة الحلول. وقد كانت الإجابة على سؤال "كيف ننتج قصة في صحافة الحلول؟" محور الجلسة الثانية من مجموعة جلسات تدريبية من تقديم المركز الدولي للصحفيين وشبكة الصحفيين الدوليين باللغة العربية حول صحافة الحلول، واهتمت الجلسة أيضًا بكيفية توظيف البيانات في قصة الحلول. 

تهدف صحافة الحلول بشكل عام إلى تحقيق توازن في عملنا الصحفي ورواية قصص الاستجابات التي لا تجد طريقها بسهولة إلى عناوين الأخبار، إذ تنحاز تغطياتنا الإخبارية إلى المشاكل، وهو ما انطلقت به الجلسة من خلال طرح سؤالين في الثقافة العامة. فقد أجاب الحاضرون على سؤال "كيف تغيّر عدد الوفيات سنويًا نتيجة الكوارث الطبيعية خلال القرن الماضي؟"، والذي قدّم ثلاثة احتمالات وهي أ) زاد أكثر من ضعفين، ب) بقي تقريبًا على حاله وج) انخفض إلى أقل من النصف. أما السؤال الثاني فتمثل في "عام 1980، عاش حوالي 40% من سكان العالم في فقر مدقع، بأقل من دولارين في اليوم. ما هي النسبة اليوم؟" أما المقترحات فكانت أ) 10% وب) 30% وج) 50%. 

إذا لم تحضر/ي الجلسة توقف/ي هنا وفكر/ي في الإجابات المرجحة.

هل أنت مثل غالبيتنا؟ فقد اختار الحاضرون السيناريوهات الأسوأ. في حين أنّ الإجابات الصحيحة تمثلت في أن عدد الوفيات انخفض إلى أقل من النصف ونسبة الفقر المدقع اليوم 10%. إنّ هذه التجربة هي مثال بسيط على أننا كوّنا فكرة سلبية عن العالم، وأننا نرجح على الأغلب السيناريوهات الأسوأ، وإن كنت تريد أن تختبر معلوماتك عن العالم وتعرف حجم انحيازنا للسيناريوهات السلبية أدعوك إلى تصفح هذه الأسئلة وأخرى مشابهة يقدمها GapMinder.

في الحقيقة تجعلنا الأخبار نشعر بالتعاسة وأنه لا يمكن القيام بأي شيء حيالها، هذا ما يقوله المستجوبون في تقارير معهد رويترز لدراسة الصحافة وهو ما ينجر عنه السأم من متابعة الأخبار وسأم التعاطف وتجنب الأخبار News Avoidance.

من المشاكل إلى الاستجابات

ما الذي يمكننا أن نفعله كصحفيين حيال ذلك؟ قد يتبادر إلى ذهنك مثلًا أن نضخ نفحة إيجابية على الأخبار ولكن صحافة الحلول ليست سردًا لقصص النجاح أو الأبطال أو مجرد مقاربة إيجابية للأخبار فهي بحسب شبكة صحافة الحلول "تغطية صحفية صارمة للاستجابات للقضايا الاجتماعية، بتسليط الضوء على الحلول البناءة والفعالة"، وتتمثل في إنتاج محتويات صحفية متوازنة تسلط الضوء على المشاكل والحلول المحتملة، بهدف توجيه النظر إلى كيفية تجاوز المشكلة وإشراك الجماهير بطرق هادفة.

ولنبدأ إنتاج قصتنا الأولى في صحافة الحلول، قد يكون البحث عن الفكرة وتغيير مقاربتنا من التركيز على المشاكل إلى البحث عن استجابات، التحدي الأول الذي علينا التعامل معه. وقد قدمت الجلسة مختلف الخطوات التي تساعدنا في إنجاز قصة في صحافة الحلول، خصوصًا أنّ تجربتنا الأولى قد تكون مليئة بالتساؤلات عن كيفية سرد الحل أو التعامل مع المصادر وتوظيف البيانات. 

قبل أن نبدأ علينا أن نتفق أن القصة في صحافة الحلول ليست عرضًا لمقترحات الصحفي أو الخبراء أو لقصص الأبطال وإنما هي تغطية متوازنة وصارمة للاستجابة. وهنالك بعض الممارسات التي يمكن أن تساعدنا في هذه الرحلة:

1- الفكرة: للعثور على فكرة جيدة علينا أن نبحث ولكن بدل أن نسأل ما هي المشكلة ونبحث في تغطيتها نسأل ما هي المشكلة؟ وكيف تمت الاستجابة لها؟

إضافة إلى ذلك يمكن أن نبحث عن الاستجابات في البحوث العلمية أو ما تنشره شبكات الابتكار ولكن أيضًا مؤسسات الدولة والمجتمع المدني لنجد معلومات حول المبادرات الفردية وللبحث عن مقاربة جديدة لمشكلة اجتماعية.

وليس من الضروري أن تكون الاستجابة محلية، فيمكن أن نبحث عن حل في مكان آخر ونبحث في إمكانية تطبيقه في سياقنا. قد يكون التباين بين حالتين أيضًا، سيلبينا إلى إيجاد إجابة عن سؤال إذا فشل شيء في مكان ما، وازدهر في مكان آخر، ما الذي أدى إلى الفرق؟ ويمكننا طرح أسئلة جديدة على الأحداث المتوقعة وبدل أن تكون التغطية تقليدية ومتوقعة يمكن أن نبحث عن استجابات وننتج حولها قصصًا.

ولكن أكثر الأمور التي يمكن أن تساعدنا هي أن نقرأ الكثير من القصص الأخرى يمكننا أن نجدها في مُتتبع قصص الحلول Solutions Story Tracker لأنه يضم عددًا من القصص في صحافة الحلول حول العالم تجمعها شبكة صحافة الحلول في مكان واحد، وهو من أكثر المصادر التي يمكن أن تلهمنا بقصص جديدة.

2- البحث الأولي: بمجرد أن نجد فكرة أو خيطًا من المرجح أن يقودنا إلى قصة مشوقة، سنبدأ الآن بطرح الأسئلة التي ستساعدنا على أن نبقي تركيزنا على الاستجابة وليس المشكلة. 

ما الذي أعرفه عن الحل؟
ما هي المصادر التي يمكن أن توفر لي معلومات إضافية؟
أي أدلة أو بوادر على نجاعة الاستجابة؟
ما هي حدودها المكانية؟
هل مر وقت منذ بدء تطبيق الاستجابة؟
هل هنالك تقارير أو دراسات حول الموضوع؟
ماذا تقول الأرقام؟
3- المصادر: لا عجلة لنخترعها هنا، إنّ الصحفي/ة الجيد/ة يدرك جيدًا كيفية التعامل مع المصادر ويمكنه/ا تحديد المصادر التي سيحتاجها للقصة. ولكن من المهم أن تبقى التغطية متوازنة وصارمة، فمثلًا قد نتحمس للاستجابة وتتحول القصة إلى حملة علاقات عامة، وهذا آخر ما نريده. لذا من المهم أن تحضر مصادر متنوعة داخل القصة وسيختلف الأمر حسب طبيعة الاستجابة، وعدد من تأثروا بها. بشكل عام، من المهم أن نتحدث إلى مصدر الاستجابة وأن نجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتجارب ممن استفادوا من الاستجابة، وأيضًا ممن لم يستفيدوا. قد نجد أشخاصًا متحمسين للفكرة وآخرين يعارضونها. علينا أن نرصد الأصوات المختلفة. كما قد نحتاج إلى مصادر حكومية أو خبراء على حسب الاستجابة التي نعمل على تغطيتها. إن تحديد المصادر مرتبط بالموضوع وبتحقيق التوازن في عرض الاستجابة.

4- الركائز الأربعة: حتى نتحدث عن قصة في صحافة الحلول، يجب أن تتضمن الركائز الأربعة وهي عناصر أساسية لبناء قصة متكاملة، كما أن تنوّع المصادر من شأنه أن يسمح بتوفر هذه الركائز. تتمثل الركائز الأربعة في عرض تفاصيل الاستجابة بدون أن ننسى عرض المشكلة، وتقديم مختلف الأدلة على أن الاستجابة بصدد تحقيق تقدم على الأرض وليس بالضرورة أن تحل الاستجابة المشكلة من جذورها بل قد تتعامل مع جانب من المشكلة. ولكن الوقوف عند هذا الحد يرينا جزءًا من الصورة، لذلك تعد الحدود ركيزة أساسية لأنها تسمح لنا بأن نضع الاستجابة في سياقها بدون تقديمها على أنها عصا سحرية للمشكلة. ويمكن أن تتمثل الحدود في تكلفة باهضة أو الحاجة إلى موارد بشرية كبيرة، في كل الأحوال من المهم أن نعرض حدود الحل. أما الركيزة الرابعة فهي الدروس المستفادة، وهنا لا يتعلق الأمر بإلهام الجمهور، ولكن بالعمل على إجابة سؤال "كيف يمكن إعادة تطبيق التجربة وما الذي تعلمناه إلى حد الآن؟". 

البيانات.. "بطل" قصة الحلول

لا تتعلق قصص الحلول برواية قصص أبطال. ولكن إن كان من الضروري أن يكون هنالك بطل للقصة، فإن لا شيء آخر يمكنه منافسة البيانات هنا. إن البيانات يمكن أن تلعب أدوارًا متنوعة في قصة الحلول فهي يمكن أن تكون طريقنا لإيجاد الاستجابة وفهمها عن طريق:

المقارنة: أي مدينة لديها أقل معدلات أمية؟
التغيير عبر الزمن: أي مدرسة تمكنت من تحسين نتائجها عبر السنوات؟
منهج أو ممارسة: أي منهج أو ممارسة كانت له نتائج إيجابية؟
فئة فرعية: أي فئة فرعية قدمت مقاربة مغايرة؟
التكلفة: من تمكن من تخفيض تكاليف الأدوات المدرسية؟
التغطية: ما هي المدينة أو المنطقة التي تمكنت من وضع سياسة جديدة ناجعة؟
الفجوة: من تمكن من سد الفجوة بين فئتين اجتماعيتين مثلًا؟
السياسة: أي سياسات جديدة كانت ناجعة في الحد من العنف؟
كما أنها تساعدنا في عرض المشكلة وحجمها، وتفسير الاستجابة وأثرها، وتفصيل الأدلة ويمكن أن نستفيد من عرض البيانات بصريًا وسردها بشكل جذاب ومشوق. وليس من الضروري أن تدعم البيانات كل قصص الحلول ولكنها عنصر أساسي في العديد من القصص ويمكن أن توظف في الركائز كما السرد. 

وهنا نأتي إلى سؤال يراودنا دائمًا "كيف نسرد قصة الحلول"؟
إن الأمر مرتبط بك وبخياراتك ليس هنالك شكل واحد أو قالب واحد للقصة، كما أنها يمكن أن تكون مكتوبة أو مسموعة أو مرئية أو متعددة المنصات. المهم هو أن تتوفر على الركائز الأربعة وألا تغرق في استخدام أوصاف مثل "رائع" أو "مذهل" حتى نسمح للقارئ بالوصول إلى استنتاجاته الخاصة حول صفات الشخصيات.

من أين نبدأ؟

يبدو سؤال "من أين نبدأ" صعبًا، ولكن يمكننا أن نختصر مراحل عديدة من خلال التعلم من تجارب سابقة، فأول ما يمكن أن تفعله بعد قراءة هذا المقال هو تصفح مُتتبع قصص الحلول Solutions Story Tracker ربما تجد/ين ضمنه استجابة شبيهة لما يحدث من حولك، ولكن تذكر/ي أن "المشاكل تصرخ، أما الحلول فتهمس" لذا من المهم أن نصغي جيدًا. أما القصة الجيدة في صحافة الحلول تنطبق عليها نفس معايير القصة الجيدة في الصحافة بشكل عام فقط بدل التركيز على المشكلة سنروي قصة الاستجابة. 

موارد يمكن الاستفادة منها:

شبكة صحافة الحلول

محاضرة صحافة الحلول

المركز الأوروبي للصحافة






المصدر/ شبكة الصحفيين الدوليين


AM:11:07:07/07/2024




108 عدد قراءة