جمعيةُ تعدد الزوجات:الإتجار بالسوريات بطريقة “شرعيّة”




مناهل السهوي - كاتبة وصحفية سورية

نحن اليوم أمام شكل جديد لتدجين النساء تحت مسميات حضارية كجمعية وتوعية والنهوض بالأمة، وكأن على النساء الرضوخ لتتمكن الأمة من النهوض...
كشف الصراع السوريّ منذ عشر سنوات وحتى اليوم ما تعانيه النساء من افتقادٍ للاستقلالية والقوة الاقتصادية لحماية أنفسهن. أقنع المجتمع هؤلاء النساء منذ الطفولة بأن الرجل هو المعيل ومن يستطعن إكمال حياتهن معه، لكن أحداً لم يقل لهن ماذا يفعلن لو خسرن هذا الرجل فجأة؟ هنا ظهرت الآثار المدمرة للثقافة الذكورية، آلاف النساء فقدن أزواجهن في الحرب فغدون من دون معيل ومن دون عمل أو حتى مهن يبدأن عملاً صغيراً بها، نساء لا يملكن شيئاً بمواجهة أكبر انهيار اقتصادي في سوريا.

ألا يوجد حلٌّ غير تعدد الزوجات؟
تتحفنا المعارضة السورية المتشددة كلّ يوم بطرق جديدة لاستعباد النساء، لكن جمعية تعدد الزوجات في أعزاز والتي أعلنت عن نفسها منذ عدة أيام كانت إثباتاً جديداً للخطر التي تتعرض له النساء السوريات، ودوامة العبث والعجز الذي يواجهه التغيير السياسي والاجتماعي في سوريا. وكأن تطوير المجتمع السوري يبدأ باستعباد المرأة ومساومتها على الحياة الكريمة بأن تكون زوجة ثانية وثالثة ورابعة.

يُخْضِع المجتمع البطريركي النساء مجدداً من خلال نقاط الضعف التي زرعها فيهن مسبقاً، بإقصائهن عن التعليم وأسواق العمل والحياة العملية، يبدو هذا العصر كما لو أنه عصر إعادة سجن النساء داخل القوالب الأولى، قوالب الرضوخ والاستسلام للواقع التعيس، بحجة فقدان الخيارات، قوالب يخلقها لهن المجتمع أو كما تقول سيمون دو بوفوار: "المرأة ليس لها جوهر أو طبيعة أبدية، بل تاريخ.

والمجتمع الذي تعيش فيه يرسم لها، في كل حقبة، التجويف من أجل قالب تتقيد به”. ولو ركزنا في هذا القالب أكثر وفي نية من خلفه لتمكنا من فهمٍ أوسع للواقع في الشمال السوري وبخاصة في مدينة إدلب وإعزاز، كيف سيتمكن الزوج من إعالة أكثر من امرأة واحدة ومنحهن حياة كريمة وسط الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد من شمالها إلى جنوبها؟ 

ماذا يعني دعم الجمعية مادياً لهذه العائلات؟ ولو تساءلنا عن الجهة التي تمنح الجمعية المال لاستطعنا أن نستشف جانباً آخر للاستعمار، فإذا كانت تركيا هي التي تسيطر على منطقة إعزاز فهي "غالباً” الممول الأول لهكذا جمعيات، وحين تريد دولة ما بسط نفوذها أكثر فعليها السيطرة على هذا المجتمع من خلال نشر ثقافة معادية للنساء، فلا استعمارَ ينجحُ تماماً لو لم يسيطر على النساء قبل الرجال.

وبعيداً عن الشريعة التي باتت حجة واهية في الدفاع عن النساء، ألا يمكن مساعدتهن في إيجاد طرق غير تعدد الزوجات كي يعشن بكرامة؟ تعليمهن مهناً من خلال دورات تدريبية أو مساعدتهن بقروض لفتح مشاريع صغيرة "بخاصة مع إعلان الجمعية عن توفر المساعدات المالية”، الواقع يقول ببساطة هنالك عشرات الحلول القادرة على حماية النساء ومنحهن الاستقلال المادي والقوة للحفاظ على عائلاتهن وابنائهن غير حل تعدد الزوجات!


مثقفو الزوجة الثانية والثالثة
افتُتحت الجمعية حسب ما نشر على صفحتها على الفيسبوك بترخيص من المجلس المحلي في مدينة أعزاز وبأعلام الثورة السورية أعربت عن توجهها السياسي لكن عدد من المصادر نفت أن تكون الجمعية مرخصة وحسب مكتب أعزاز الإعلامي فإن الجمعية استأجرت مقرّاً لها في شارع السوق التركي بمدينة أعزاز، وتحدثت شخصيات من داخل الجمعية عن افتتاح قريب لتوضيح أهدافها ورؤيتها وأعضائها، وأنهم يسعون لترخيصها قريباً.

ليست المشكلة اليوم في ظهور هذه الجمعية وحسب إنما إعلانها أن مجموعة من المثقفين وأصحاب الخبرة هم المؤسسين والقائمين عليها وكأنها تضفي شرعية بذكر مصطلح مثقف، كيف يمكن السيطرة على الناس البسطاء والنساء الضائعات سوى بإيهامهن أن الثقافة هي التي تدعوهن وتؤسس لهن حياة جديدة تدعى "تعدد الزوجات”، لكن ذات المثقفين هم من دعوا لحكم شبيه بطالبان وهم من يعززون في كل يوم العنصرية ضد النساء والأقليات، إذاً فالكارثة الأولى هي بنوعية المثقفين والقيادات المسؤولة عن التغيير، التغيير الذي يبدأ في جمعية تعدد الزوجات. 

تؤكد الجمعية من خلال بيان نشرته على صفحتها على الفيسبوك أنها تقدم خبرات نخب ومفكرين وقصص نجاح بيوت ساهمت بنهضة أمة، إذاً النخب هي من ستقود الشعوب وتوسع أفق تفكيرهم حول تعدد الزوجات، هل النخب التي ستقص قصص نجاحها في تعدد الزوجات هي ذاتها من ستقود الشعوب نحو الحرية والديمقراطية! 

كيف يمكن خلق الديمقراطية في حين نقول للنساء الوحيدات أن الزواج والتعدد هو الحل لتتمكن من العيش بكرامة؟ امنحن أجسادكن وخذن الطعام والحياة الكريمة.

وإذ ترى مديرة الجمعية "أحلام السعود” في تصريح نشرته عقبة موجة الرفض للجمعية أن خلية المجتمع الأولى هي الأسرة وهو ما أوجد هذا المشروع فإنها بذلك تتجاهل الفرد، لا بل تقصيه على حساب الأسرة فالمرأة الوحيدة أو الأرملة أو المطلقة غير موجودة خارج الزواج، ماذا لو فكر هؤلاء المثقفون ببناء الفرد قبل الأسرة؟

وكأن تطوير المجتمع السوري يبدأ باستعباد المرأة ومساومتها على الحياة الكريمة بأن تكون زوجة ثانية وثالثة ورابعة.

آثار مدمرة لتعدد الزوجات على العائلة
تريد الجمعية منح النساء حقهن بالزواج وبناء أسرة على حسب قولها لكنها لم تأت على ذكر حق النساء بالتعليم والعمل واتخاذ شكل حياتهن، وحمايتهن من خلال سن قوانين تحميهن من التحرش والاغتصاب والتعنيف وجرائم الشرف. تقدم الجمعية رؤية مختلفة هذه المرة وعلى عكس الدعوات السابقة بفتح المجال لتعدد الزوجات فإن الجمعية تريد توعية النساء ودفعهن للقبول بزواج أزواجهن، أي ما تسعى إليه الجمعية هو تدجين النساء وإخضاعهن حسب منطقهم وقصص نجاحهم.

نحن اليوم أمام شكل جديد لتدجين النساء تحت مسميات حضارية كجمعية وتوعية والنهوض بالأمة، وكأن على النساء الرضوخ لتتمكن الأمة من النهوض، كأن عليهن تحمل إقصائهن وجعلهن سلعة للحفاظ على تماسك هذا المجتمع والتي أظهرت السنوات الأخيرة نماذج مرعبة من الانحطاط الأخلاقي فيه، والذي خرج على شكل جرائم قتل النساء من رجال العائلة والأزواج واغتصاب طفلات وقتلهن.

من جهة أخرى وفي مقال نشره الباحثون السوريون عن آثار تعدد الزوجات على النساء والأبناء فإن فرضية الجمعية في الهدف السامي لتعدد الزوجات هو مجرد وهم وغطاء واهي، فبالإضافة إلى الأذى النفسي والتنافس بين الزوجات الذي يقصي بالضرورة إحداهن فهناك أذى جسدي وعاطفي ومادي سيقع على النساء ومن بين تسعة من النساء اللواتي دخلن في هذا النوع من الزواج فإنهن جميعاً تعرضن للإيذاء النفسي وخمسة منهن تعرضن للاعتداء الجسدي والاقتصادي والجنسي والنقطة المحورية التي طرحها المقال هي التأثير السلبي لهذا الزواج على نمو الأبناء بخاصة الذكور منهم وبسبب غياب الأب فإنهم يعانون من فقدان الشعور بالأمان ومشاكل في الثقة بالآخر وحتى ضعف في الآداء الأكاديمي، كل ما سبق يوضح بشكل جلي الكارثة في التشجيع على تعدد الزوجات وآثارها المدمرة على العائلة والأبناء عكس ما يروج الداعمون له، فهل راجع القائمون على الجمعية هذه الإحصائيات والدراسات قبل إتحافنا بافتتاح سوق شرعي للاتجار بالنساء تحت مسمى الأخلاق والابتعاد عن الرذيلة؟ 

قد تجد الكثير من النساء اليوم أنفسهن عاجزات عن رفض "ما يبدو” على أنه فرصة جديدة لكن الحل في الحقيقة هو في تكاتف النساء ورفض هذه النوع من التدجين وتعدد الزوجات فالنجاة ليست في الذهاب نحو مأساة جديدة إنما التوقف عن صنع المآسي.

-daraj



AM:11:14:21/10/2021




88 عدد قراءة