لم تكن ضّفيرة المرأة، يومًا، تفصيلاً شكليًا أو زينةً عابرة في تاريخ الشعوب. لقد كانت، ولا تزال، علامة على الوجود، وبيانًا صامتًا للهوية، واحتجاجًا مجدولًا ضد محاولات المحو والإنكار. وحين تمتد يد العنف لتقصّها قسرًا، فإنها لا تقصّ شعر امرأة فحسب، بل تحاول أن تقطع صلة امرأة بتاريخها، وشعبٍ بذاكرته، وثقافةٍ بحقها في البقاء.
حادثة قيام أحد المتشدّدين بقصّ ضّفيرة امرأة كردية من شمال شرق سوريا ليست فعلًا فرديًا ولا سلوكًا عشوائيًا ناتجًا عن لحظة انفعال. إنها فعل سياسي بامتياز، يحمل رسالة واضحة: إخضاع المرأة عبر أنوثتها، وكسر المجتمع عبر رموزه. فالعنف هنا ليس جسديًا فقط، بل عنف أيديولوجي يسعى إلى إعادة المرأة إلى موقع الصمت، وإلى نفي هوية شعب كامل عبر إذلال إحدى علاماته الثقافية.
في الفكر المتطرف، لا تُهاجَم المرأة لأنها ضعيفة، بل لأنها قوية بما يكفي لتكون خطرًا. شعرها، صوتها، جسدها، خياراتها، كلها تُرى كمساحات يجب السيطرة عليها. لذلك يصبح قصّ الضّفيرة أداة من أدوات الهيمنة، شبيهة بهدم تمثال، أو حرق كتاب، أو محو لغة. إنه إعلان كراهية صريح للمرأة بوصفها امرأة، وللكرد بوصفهم شعبًا يرفض الذوبان.
لكن ما يغيب عن ذهن المتطرّفين أن الرموز لا تُهزم بالعنف. فكل ضّفيرة تُقصّ بالقوة تتحول إلى خطاب مقاومة، وكل محاولة للإذلال تُنتج معنى مضادًا. لقد أثبتت النساء، في شمال شرق سوريا وسواها، أن الجسد ليس ساحة هزيمة، بل يمكن أن يكون مساحة عصيان. وما أُريد له أن يكون مشهد إذلال، تحوّل إلى فضيحة أخلاقية تكشف عُري الفكر الذي يقف خلفه.
إن ما جرى في شمال شرق سوريا لا يخص النساء الكرديات وحدهن، بل يضع نساء العالم كله أمام سؤال أخلاقي وسياسي: هل نقبل بأن يُمارَس العنف باسم الأيديولوجيا أو السلاح، بينما نكتفي بالمشاهدة؟ أم نعيد تعريف التضامن بوصفه موقفًا علنيًا ضد كل أشكال القهر؟
المطلوب من نساء العالم اليوم ليس الشفقة، بل الانحياز الواعي. الانحياز لحق المرأة في اختيار شكل حضورها في الفضاء العام. الانحياز ضد التطرف الذي يرى في المرأة مشروع إخضاع دائم، وضد الأفكار التي تساوم على كرامة النساء بحجج السياسة أو الخصوصية الثقافية.
إن قصّ ضّفيرة امرأة هو رسالة كراهية، نعم، لكنه في الوقت نفسه دعوة مفتوحة للمقاومة الرمزية. مقاومة تُدرك أن الدفاع عن امرأة واحدة هو دفاع عن جميع النساء، وأن الصمت ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة.
في النهاية، ستظل ضّفيرة المرأة أطول من سكاكين الكراهية، وأبقى من أيدي القمع. لأنها ليست شعرًا فحسب، بل موقفًا سياسيًا مجدولًا بالصبر، وذاكرةً ترفض أن تُقصّ.