تشهد الساحة الإعلامية / الصحفية في العراق صراعاً عميقاً مبنياً على الانتماءات والعقائد القومية والدينية والمذهبية على نطاق واسع، مخلفةً وراءها إرثاً مليئاً بالضحايا، الذين دفعوا أرواحهم ثمناً لحرية الكلمة والوصول إلى ونشر المعلومات، تاركين خلفهم مشهداً مأساوياً من الخوف والرعب في نفوس العاملين في مجال الصحافة، كونهم يمارسون عملهم في بحر هائج من التخوين والاستهداف الذي لا ينتهي.
مشهد الصحافة في العراق في ظل استمرار الجرائم بحق الصحفيين منذ 23 عاماً، موثق بالأرقام المخيفة للانتهاكات التي سجلتها نقابة الصحفيين، سواء في بغداد أو أربيل، يثير القلق، ففي وقت كان من المفروض أن تكون هذه النقابة سنداً لوقف تلك الانتهاكات، باتت مشلولة الإرادة بهذا الخصوص!.
يمر اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف كل عام الثالث من أيار، ولا يزال العمل الصحفي في عموم العراق يشهد تراجعاً في ثقة الجمهور بالخطاب الإعلامي، ولا يُنظر إليها بأنها تمارس دورها الحقيقي الذي يهدف إلى حماية الحريات والخصوصيات، في وقت أن هذا الدور - احترام الخصوصيات - بات يواجه تحدياً كبيراً في عصر الـ"ريلز" وصحافة الموبايل في السرعة على حساب الدقة، والبحث عن الشهرة والـ"لايكات" والتعليقات.
حماية الخصوصيات باتت تُنتهك في وضح النهار من قبل صحفيين يعملون في مؤسسات مرموقة، وهم يرفعون المايكروفون وعليه علامة القناة أمام المواطنين في ظروف وأوقات لا يجب أن يكونوا موجودين هناك بهذه الصورة – فليتخيل مسؤول أي قناة تلفزيونية أن حادثة مأساوية حصلت لعائلته والعائلة تشهد العويل والبكاء والنواح، ومراسل تلفزيوني يطلب من والدته تعليقاً – ماذا بقي من احترام الخصوصيات إذ؟
23 عاماً مضت والعراق بعمومه بحاجة إلى تطوير أنظمة العمل الصحفي في ظل منافسة شرسة بين القنوات التلفزيونية المرموقة والصحف ذائعة الصيت، من أجل أن تواكب التطورات المتسارعة في دخول التكنولوجيا إلى عالم الصحافة.
ستحيي اليونسكو اليوم العالمي لحرية الصحافة هذه السنة بمؤتمر في لوساكا – زامبيا في الخامس من هذا الشهر، يركز على تحقيق دور فاعل للصحافة في السلام والأزمات والصراعات، إلى جانب الاستخدام الذي يراعي حقوق الإنسان في إدماج الذكاء الاصطناعي والقضاء والصحافة ومواجهة المعلومات المضللة وتزييف الأخبار.
يسعى الصحفيون في العراق إلى مواجهة تحديات كبيرة تتمثل بوقوعهم بين جبهات متعددة تتقاتل الأطراف فيها في سبيل إخفاء الحقائق أو تركها على الرف إلى أن يحين وقت توظيفها، وإخفاء الأصوات التي تدعو إلى وقف العنف واللجوء إلى الحوار والنقد البناء لتقويم وتصحيح مسار وعمل المؤسسات في البلاد – أرقام وإحصاءات الانتهاكات ترتفع كل يوم جديد مع كل تقرير جديد.
جمعية الاتحاد لحقوق الإنسان نشرت تصريحاً مقتضباً بهذه المناسبة، أشارت فيه إلى أن: "حرية الصحافة ليست فقط حقاً للإعلام، بل ضمانة لحق المجتمع في المعرفة".
وعبرت عن مخاوفها بأنه "مع تسارع تأثير الذكاء الاصطناعي، تتزايد التحديات المرتبطة بالمعلومات المضللة واستقلالية الإعلام، وأن الأرقام العالمية تعكس حجم هذه التحديات، ما يؤكد الحاجة إلى إعلام مهني ومسؤول".
التحديات التي تواجه الصحافة في العراق لا تتوقف على المواجهة الشرسة أمام المعلومات المضللة وتزييف الحقائق فقط، بل تتعدى لتواجه صراعاً مبنياً على الهويات في منع أو ضرب كل جهد يهدف إلى حماية استقلالية الصحافة في بيئة رقمية متسارعة، ما يتطلب العمل الجدي وفق توجهات اليونسكو للمؤسسات الصحافية المعنية إلى ضرورة إيجاد آليات لتنظيم الأطر الأخلاقية والتنظيمية لاستخدام التقنيات الحديثة – الاندماج مع التكنولوجيا في عالم الصحافة. حيث لاحظنا في صراع الشرق الأوسط المستمر كيف مارست الصحافة دوراً كبيراً في تضليل الحقائق والترويج لرسائل معاكسة لتوجهات نشر الحقائق عن الآثار البعيدة المدى للحرب الدائرة على جميع مكونات المنطقة.
مع تأكيد الدستور العراقي على حرية العمل الصحفي، فإن المخاوف تشير إلى تراجع حرية العمل الصحفي في العراق بشكل مخيف. مراسلون بلا حدود، في خبر حول تصنيف 2026، تشير إلى أن "حرية الصحافة في أدنى مستوياتها منذ 25 عاماً"، وتوضح مراسلون بلا حدود بأنه "بات أكثر من نصف بلدان العالم يندرج ضمن المنطقة التي يُوصف فيها الوضع بأنه صعب أو خطير للغاية"، إذ لم يسبق أن هبط متوسط سجل البلدان التي يشملها التقييم إلى هذا الحد من التدني على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، وفقاً لمراسلون بلا حدود.
صراع الهويات الذي يشهده العراق ينعكس على الخطاب والعمل الصحفي بشكل واضح للمؤسسات والمنصات الصحفية لجميع المكونات القومية والدينية والمذهبية، كل بحسب قدرتها وفاعليتها، فنشر التهم والمعلومات المضللة المصنوعة بالذكاء الاصطناعي في استهداف كل مكون للآخر لم يتوقف منذ 23 عاماً، بل أصبح بديلاً للاستهداف بالمدافع والرشاشات والمفخخات، ليتحول إلى قصص مفبركة وتقارير مصنعة مليئة بالتزييف والتخوين والعمالة، وهذا ما يؤدي إلى أن ينأى الصحفيون بالحفاظ على حياتهم مقابل الانجرار في هذا الصراع الذي يترك إرثاً ثقيلاً من الانتهاكات واستهداف الصحفيين، الذين يتراجع دورهم في بناء المجتمع كل يوم.
مراسلون بلا حدود تعبر عن مخاوفها بالقول إنه "منذ عام 2001، تقوض الحق في الوصول إلى المعلومات بشكل تدريجي، حتى في بعض أعتى الديمقراطيات، وذلك تحت وطأة اتساع ترسانة تشريعية آخذة في التقييد وتشديد الخناق، ولا سيما في ظل تنامي سياسات الأمن القومي، علماً أن المؤشر القانوني تراجع أكثر من غيره هذا العام، بما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو تجريم العمل الصحفي".
هذه الرؤية تقودنا إلى التفكير بالمستقبل.. ما الذي ينتظر العمل الصحفي؟ وهذا ما يشير إليه بيان الممثلة العليا بالنيابة عن الاتحاد الأوروبي، الذي صدر اليوم 03.05.2026، بأنه "لا يمكن للديمقراطية أن تقوم دون صحافة حرة. فالإعلام المستقل ركن أساسي من أركان أي مجتمع ديمقراطي. وإن الوصول إلى الإعلام، إلى جانب حرية التعبير، ليسا من الكماليات، بل هما من الحقوق الأساسية للإنسان".
وبما أن مسألة حماية الصحفيين هاجس دائم للصحفيين الذين يعملون من أجل الحقيقة ومن أجل أن يصل دور الإعلام إلى دور ريادي في البناء الديمقراطي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني والاجتماعي ويؤدي إلى وقف العنف في البلاد، يوضح بيان الاتحاد الأوروبي بأن "القانون الدولي واضح: يجب حماية الصحفيين في جميع الأوقات. يجب أن يكونوا قادرين على أداء عملهم بحرية، دون أي تدخل غير مبرر، أو خوف من العنف، أو المضايقة، أو الترهيب، أو الاضطهاد، أو الطرد. وهذا أمر بالغ الأهمية في مناطق النزاع، حيث يكشف الصحفيون عن حقائق الحرب، بما في ذلك الفظائع وجرائم الحرب المحتملة".
وبما أن كشف الحقائق باتت غائبة إلى حد ما من سياسات وبرامج أغلب القنوات الإعلامية والمنصات الصحفية، وباتت السرعة على حساب الدقة، وضياع التوازن على حساب الحيادية، وحضور الاستهداف على حساب المهنية هو الخطاب السائد، بحيث أصبح المواطن ذكياً بأنه يعرف من طريقة تقديم الأخبار واختيار الضيوف للبرامج الحوارية، ما هي هوية وانتماء القناة التي تحتمي في ظلها. وباتت مخاوف استهداف الصحفيين تنتهي دون محاكمات عادلة في أغلب الأوقات، وكشف الذين يرتكبون جرائم قتل الصحفيين واستهداف القنوات الإعلامية ينتهي ضد مجهول، ويترك هذا الأمر مئات التساؤلات – كيف يمكن أن يستمر العمل الصحفي في ظل هذا الصراع المبني على الهويات والانتماءات؟
ويسرد بيان ممثلية الاتحاد الأوروبي بأنه "في جميع أنحاء العالم، أصبح قتل الصحفيين وإصابتهم وتهديدهم، فضلاً عن احتجازهم التعسفي، وإجبارهم على اللجوء إلى المنفى، وإسكاتهم، واقعاً مروعاً. وتتعرض الصحفيات بشكل غير متناسب للعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك المضايقات والإساءة عبر الإنترنت، مما يزيد من إسكات الأصوات الناقدة".
وفقاً لبيانات الاتحاد الأوروبي واليونسكو ومراكز حرية الصحافة، فإنه كان عام 2025 "الأكثر دمويةً على الإطلاق بالنسبة للصحفيين في جميع أنحاء العالم"، ما يتطلب برنامجاً دولياً شاملاً تقوده المؤسسات الأممية لإجراء تحقيقات شاملة ومتابعة التحقيقات في البلدان التي يتعرض فيها الصحفيون إلى أعمال تعسفية.
في الختام، إنه من أجل بناء الأسس الصحيحة لصحافة قوية داعمة ومساهمة في بناء الديمقراطية، يتطلب من الحكومة العراقية الجديدة وحكومة الإقليم القادمة أن تكونا جديتين في إرساء الأسس الصحيحة لتنظيم العمل الصحفي وفق معايير اليونسكو، وإعداد برامج لحماية حرية العمل الصحفي وتنظيم الأخلاقيات الصحفية لكي تصبح المراقب الضميري بدلاً من الرقابة الأمنية، وتعزيز الدور المهني للصحافة في بناء السلم المجتمعي وتعزيز الشمولية وتمثيل التنوع، وتطوير القوانين الخاصة بالعمل الصحفي بما يتلاءم والتوظيف السليم للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التأكيد على القنوات الصحفية لزج الشباب المحملين بالقيم المهنية والتقنية التي تراعي مبادئ حقوق الإنسان ليمارسوا دورهم في تطوير وتعزيز دور الصحافة، ووضع برامج مستمرة للتربية والتثقيف الإعلامي لسد الباب أمام الدخلاء الذين أساؤوا وشوهوا العمل الصحفي وأفقدوها ثقة الجمهور والمسؤولين.