شكرًا للسياسات النيوليبرالية!
نادين عبدالله

كشفت أزمة كورونا وضع العالم الهش بعد عقود من اتباع السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي أسست لتراجع دور الدولة. فبوصول ريجن في الولايات المتحدة الأمريكية وتاتشر في بريطانيا إلى سدة الحكم، دخل العالم في مرحلة انتشار موسع لصيغ عنيفة من الرأسمالية وتحرير الاقتصاد مختلفة عن الصيغة الليبرالية الاجتماعية التي تبنتها أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية.

وفى إطار الانتشار السريع لهذه السياسات مع بداية التسعينيات، توجهت أغلب الدول الأوروبية إلى الانقلاب التدريجى على ميراث الخمسينيات والستينيات الذي لعبت فيه الدولة دورا في تحفيز الاقتصاد، وتوزيع الثروات عبر فرض الضرائب واستخدامها في الإنفاق الاجتماعى على الخدمات الأساسية (تعليم وصحة ومواصلات) وجعلها متاحة للجميع. وفى هذا السياق يمكن فهم تصريحات رئيس الوزراء البريطانى الذي تبنى في بداية الأزمة نظرية «مناعة القطيع» التي تقوم على تعريض الأفراد الأقل قابلية لمخاطر تدهور حالتهم الصحية لفرص الإصابة بالعدوى ليكتسبوا مناعة وينشروها في المجتمع، وهى نظرية علمية بالقطع لكن ترجيحها (قبل التراجع عنها) هو ترجيح سياسى قائم على فكرة أن الدولة لن تلعب سوى الدور الأدنى وأن المسؤولية هي فردية بالأساس.

وهنا أيضًا يمكن تصور كيف وصلت الولايات المتحدة أقوى اقتصاد في العالم لوضعية متناقضة جعلت 40٪ من سكانها لا يملكون مدخرات قدرها 400 دولار لإنفاقها على حالات الطوارئ، ومن ثم فلو لم تتدخل الدولة لإعانتهم (وتتخلى عن توجهها الحالى) لن تكون إجراءات العزل والحجر الصحى ممكنة بل فقط رفاهية لمن يستطيع.

بل وهنا يمكن أن نتخيل أن دولة بحجم أمريكا لا تملك سوى حوالى 35 ألف سرير للعناية المركزة في مقابل حوالى 29 ألفا في ألمانيا و12 ألفا ونصف في إيطاليا و11 ألفا ونصف في فرنسا، وأن مساعى منع الاختلاط الحالية عبر توقيف الدراسة والعمل وأكل العيش هدفها هو تبطىء انتشار الفيروس لتخفيف الضغط على الأجهزة الصحية المهترئة التي أهملتها سياسات اقتصادية رمت إلى تقليل الإنفاق على هذه الخدمات الإنسانية وخصخصتها.

واليوم وفى خضم هذه الكارثة، هل يراجع العالم هذه السياسات أم ينتظر أزمة أكبر؟

على كل، لا أرى في الانقلاب التام على السياسات الرأسمالية حلاً بل أتصور أن الوصول إلى صيغة ترجع التوازن بين دور الدولة التوزيعى والإنفاقى من ناحية وحرية السوق من ناحية أخرى هو المطلوب، وهى صيغة تعيدنا ببساطة لنقطة لا تجعل حياة الإنسان وحقوقه رهنًا لتراكم الثروات.


PM:02:35:27/03/2020