التقدم العلمى.. ومواجهة كورونا
منار الشوربجي


رغم التقدم العلمى والتكنولوجى الهائل الذى حققته البشرية خلال القرن الأخير، عجز العالم، بالضبط كما كان حاله فى أوائل القرن الماضى عن مواجهة وباء! ورغم الانكفاء الحالى على الذات الذى تمارسه جل الدول حماية لمواطنيها، فقد تبين أن الانعزال الدولى لا يمثل حلا موضوعيا طويل الأمد. والوضع الحالى أيضا يطرح السؤال الأهم لتحديد مستقبل البشرية، فلماذا لم ينجح التطور العلمى المذهل خلال القرن العشرين فى إحداث نقلة نوعية فى حماية صحة البشر وحياتهم؟

فقد ثبت أنه لا فتح الحدود ولا إغلاقها له علاقة بحماية أرواح البشر. فالعولمة، السياسية على الأقل، صارت واقعا. فالشفافية فى العلاقات الدولية بدت ضرورة ملحة للاطلاع المبكر على ما تتعرض له دولة ما من مخاطر بما يسمح بالاستعداد المبكر لانتشار الوباء. ويستحيل توحيد الجهود العلمية لمواجهة الوباء دون التعاون الدولى الشفاف. فعلى سبيل المثال، سرت انتقادات عالمية لتأخر الصين فى إطلاع العالم على الوضع داخلها. كما أثار ترامب حفيظة دول العالم حين تبين أن إدارته كانت تتفاوض سرا مع مؤسسة ألمانية لتمنحها مبالغ طائلة مقابل أن تحصل على الحق الحصرى للمصل الذى تجرى عليه تلك المؤسسة أبحاثها.

لكن ثبت، بالقدر نفسه، أن العولمة الاقتصادية التى تتبنى اقتصاد السوق دون قيود من أى نوع، ساهمت بدرجة كبيرة فى الأزمات الراهنة التى تسبب فيها غياب دور الدولة فى مجال الرعاية الصحية، بل وفى مواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة الناتجة عن إغلاق الحدود والعزل المنزلى. وإغلاق الحدود ليس حلا لمواجهة كوارث عالمية من الأوبئة للتغير المناخى. فالجدار الذى يشيده ترامب على حدود بلاده الجنوبية، مثلا، لم يوفر أى حماية من أى نوع حين تعرضت بلاده لما سماه بنفسه «العدو الخفى»، أى كورونا. وثبت أن إغلاق الحدود بالكامل يؤدى لأزمات اقتصادية طاحنة، ليست الدولة المتقدمة بمنأى عنها. وكارثة التغير المناخى لا تظل هى الأخرى داخل حدود أى دولة. فرغم أن الدول الصناعية الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة والصين، هى المسؤولة عن إنتاج النسبة الغالبة من الانبعاثات الحرارية، وليست بمنأى عن آثارها المدمرة، إلا أن دول جنوب العالم الفقير والجزر حول العالم هى الأكثر تضررا بل والمعرضة للفناء بسبب كارثة المناخ، التى تتطلب، فى تقديرى، إعلان العالم حالة الطوارئ الدولية مثلما أعلنها لمواجهة كورونا.

أما التناقض ما بين التقدم العلمى والعجز الحالى عن مواجهة الوباء، فهو يطرح تساؤلات حول أولويات الأجندة العلمية طوال القرن الماضى. فرغم بروز مؤشرات، من سارس لإيبولا، تنذر بحدوث كارثة وبائية عالمية لم تعر الدول ذات التقدم العلمى بالا، وظلت جل أولوياتها العلمية موجهة لإنتاج القنابل النووية والأسلحة التى تفتك بأعداد هائلة من البشر. وبينما ظلت الميزانية العسكرية للدولة العظمى تلتهم الجزء الأكبر من ميزانيتها الكلية، فلا ينبغى لأحد أن ينسى أن السعى لاختراع شبكة الإنترنت كان فى الأصل لأغراض عسكرية. ثبت إذن أن أولويات التقدم العلمى طوال ما يقرب من القرن تحتاج للتأمل وإعادة النظر.

وقد ذكرنى كل ذلك بخطاب الوداع الذى ألقاه الرئيس الأمريكى أيزنهاور قبل ترك الحكم. وهو الخطاب الذى صك فيه تعبيره الشهير، حين حذر الأمريكيين من خطورة «المركب العسكرى الصناعى». وأيزنهاور، الذى كان قائدا عسكريا قبل توليه الرئاسة، قال فى ذلك الخطاب، أن «كل سلاح يصنع.. يمثل إهدارا لعرق العمال وعبقرية العلماء وتدميرا لأحلام الأطفال»


AM:04:40:06/05/2020